الشيخ محمد رشيد رضا

27

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فصل في فوائد الزكاة المفروضة والصدقات والاصلاح المالي البشر وامتياز الاسلام بذلك على جميع الأديان ما ذكره اللّه تعالى من تطهير الصدقة للمؤمنين وتزكيتهم بها يشمل أفرادهم وجماعتهم ، فهي تطهر أنفس الافراد من أرجاس البخل والدناءة والقسوة والأثرة والطمع والجشع ، ومن أكل أموال الناس بالباطل من خيانة وسرقة وغصب وربا وغير ذلك ، فان الذي يتربى بالايمان على بذل بعض ما في يده أو ما أودعه في خزانته وصندوقه في سبيل اللّه ابتغاء مرضاته ومغفرة ذنوبه ورفع درجاته ، جدير بأن ينزه نفسه عن أخذ مال غيره بغير حق . وهذا التطهير لأنفس الافراد وتزكيتها بالعلم والعرفان ، والتقوى التي هي مجموع ثمرات الايمان ، يستلزم تطهير جماعة المؤمنين ( وما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالهيئة الاجتماعية ) من أرجاس للرذائل الاجتماعية التي هي مثار التحاسد والتعادي والبغي والعدوان والفتن والحروب ذلك بأن الأموال قوام حياة الناس « 1 » وقطب الرحى لمعايشهم ومرافقهم العامة والخاصة ، وهم متفاوتون في الاستعداد للكسب والتثمير ، والاسراف والتقتير ، والقصد والتدبير ، والجود والبخل ، والتعاون على البر ، فلا ينفك بعضهم محتاجا إلى بعض في كسب الرزق وفي إنفاقه ، وأشدهم استعدادا لجمع الثروة الذين يغلب على طباعهم الحرص والبخل حتى على أنفسهم وأولي قرباهم ، وبهذا يكون بعضهم فتنة - اي امتحانا - لبعض ومثارا للتنازع والتخاصم كما قال تعالى ( وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ؟ ) أي ذلك مقتضى سنته في تفاوت البشر في الاستعداد . الاخلاق والاعمال . وقد بينا حكمة ذلك من قبل ولما كان الدين مرشدا للبشر إلى تزكية أنفسهم وتقويم أخلاقهم بما تصلح به فطرتهم ، ويرتقي به أفرادهم وجماعتهم - شرع اللّه فيه من الاحكام التعبدية والعملية ما يقيهم شر هذه الفتنة ، وينقذهم مما يترتب على إهمالها من المحنة ، فأوجب

--> ( 1 ) قوام الشيء بالفتح والكسر عماده الذي يقوم به وينتظم ، وتقلب واو المكسور ياء جوازا ومنه « وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً »